الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
8
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
معان مرادة من الآية فيما نرى ، على أن في هذين الوصفين إيماء إلى أن القرآن معجز ببلاغة لفظه وبإعجازه العلمي ، إذا اشتمل على علوم لم يكن للناس علم بها كما بيّناه في المقدمة العاشرة . وفي وصف الْحَكِيمِ إيماء إلى أنه أنزله بالحكمة وهي الشريعة يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ [ البقرة : 269 ] . وفي هذا إرشاد إلى وجود التدبر في معاني هذا الكتاب ليتوصل بذلك التدبر إلى العلم بأنه حق من عند اللّه ، قال تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [ فصلت : 53 ] . ومعنى الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ في صفات اللّه تقدم في تفسير قوله تعالى : فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ في سورة البقرة [ 209 ] . وافتتاح جملة إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ بحرف ( إنّ ) مراعى فيه ما استعمل فيه الخبر من الامتنان . فيحمل حرف ( إنّ ) على الاهتمام بالخبر . وما أريد به من التعريض بالذين أنكروا أن يكون منزّلا من اللّه فيحمل حرف ( إنّ ) على التأكيد استعمالا للمشترك في معنييه . ولما في هذه الآية من زيادة الإعلان بصدق النبي المنزل عليه الكتاب جدير بالتأكيد لأن دليل صدقه ليس في ذاته بل هو قائم بالإعجاز الذي في القرآن وبغيره من المعجزات ، فكان مقضى التأكيد موجودا بخلاف مقتضى الحال في قوله : تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ . فجملة إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ تتنزل منزلة البيان لجملة تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ . وإعادة لفظ الْكِتابِ للتنويه بشأنه جريا على خلاف مقتضى الظاهر بالإظهار في مقام الإضمار . وتعدية أَنْزَلْنا بحرف الانتهاء تقدم في قوله : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ في أول البقرة [ 4 ] . والباء في بِالْحَقِّ للملابسة ، وهي ظرف مستقرّ حالا من الْكِتابَ ، أي أنزلنا إليك القرآن ملابسا للحق في جميع معانيه لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [ فصلت : 42 ] . وفرع على المعنى الصريح من قوله : إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ أن أمر بأن يعبد اللّه مخلصا له العبادة . وفي هذا التفريع تعريض بما يناسب المعنى التعريضي في المفرّع عليه وهو أن المعرّض بهم أن يعبدوا اللّه مخلصين له الدين عليهم أن يدبّروا في المعنى المعرض به .